التحضيرات الجارية لإطلاق حوار سياسي في موريتانيا: بين رعاية الرئيس غزواني ومقاطعة بيرام

خميس, 08/01/2026 - 22:26

تشهد الساحة السياسية الموريتانية، خلال الأسابيع الأخيرة، حراكًا لافتًا تمهيدًا لإطلاق حوار سياسي وطني جديد، برعاية مباشرة من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني. ويأتي هذا المسار في سياق إقليمي وداخلي يتسم بتحديات سياسية واجتماعية متراكمة، وبحاجة ملحّة إلى آلية توافقية لإدارة الخلافات وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمعارضة. غير أن هذا التوجه يصطدم، في المقابل، بمقاطعة النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد، الذي حلّ ثانيًا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2023، ما يطرح تساؤلات حول شمولية الحوار وجدواه السياسية.

رعاية رئاسية مباشرة وسعي لإضفاء الجدية:

تتميز التحضيرات الجارية للحوار السياسي الحالي بكونها تتم تحت إشراف مباشر من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو ما يضفي على المسار بعدًا سياسيًا خاصًا مقارنة بتجارب حوار سابقة كانت تُدار في الغالب عبر الحكومة أو وزارة الداخلية. فقد بادر الرئيس إلى لقاء ممثلين عن الأغلبية والمعارضة داخل القصر الرئاسي، وسلمهم وثيقة تتضمن تصورًا أوليًا لهيكل تنظيمي لآلية الحوار، في خطوة تعكس رغبة واضحة في التحكم في الإطار العام للمسار وضمان انطلاقه في مناخ من التنظيم والضبط.

ويحرص الخطاب الرئاسي المصاحب لهذه التحضيرات على نفي وجود أي أهداف خفية للحوار، والتأكيد على أنه لا يرتبط بأزمة سياسية طارئة، بل يأتي في إطار رؤية استباقية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتطوير النموذج الديمقراطي، ومعالجة الإشكالات البنيوية التي تعاني منها الدولة الموريتانية، خاصة في مجالات الوحدة الوطنية، والحوكمة، والاندماج.

ثانيًا: هندسة تنظيمية للحوار… محاولة لتجاوز إخفاقات الماضي

تُظهر الوثيقة المقترحة لتنظيم الحوار توجهًا نحو تفادي اختلالات سابقة رافقت حوارات وطنية سابقة، سواء من حيث ضعف المتابعة أو غموض الصلاحيات. إذ تقترح إنشاء هيئة إشرافية تضم تمثيلًا متوازنًا بين الأغلبية والمعارضة، إلى جانب المجتمع المدني وشخصيات مستقلة، مع إسناد مهام واضحة لها، تشمل الإشراف على ست لجان موضوعية تغطي القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى.

هذا التصور التنظيمي يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية الجانب الإجرائي في إنجاح الحوار، غير أن فعاليته ستظل مرهونة بمدى استقلالية الهيئة المقترحة، وقدرتها على فرض قواعد شفافة للمشاركة، وضمان تنفيذ المخرجات النهائية، وهو ما ظل يشكل نقطة ضعف مزمنة في التجارب الحوارية الموريتانية.

مقاطعة بيرام… موقف احتجاجي أم ورقة ضغط؟

في مقابل هذا الحراك الرسمي، يبرز موقف النائب بيرام الداه اعبيد، الذي أعلن رفضه الانخراط في الحوار بصيغته الحالية، معتبرًا أن السلطة تسعى إلى حوار “على مقاسها”، يفتقر إلى الضمانات الكفيلة بإحداث تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي. وتكتسي مقاطعة بيرام أهمية خاصة، بالنظر إلى مكانته السياسية، وكونه حلّ في الرتبة الثانية خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2023، ما يمنحه وزنًا رمزيًا وانتخابيًا لا يمكن تجاهله.

ولا يمكن قراءة هذا الموقف بمعزل عن تراكم تجارب سابقة خاضتها المعارضة، وانتهت – وفق قراءتها – إلى حوارات شكلية لم تُترجم إلى إصلاحات جوهرية. كما أن خطاب بيرام يعكس استمرار فجوة الثقة بين جزء معتبر من المعارضة الجذرية والسلطة، رغم الخطاب التوافقي الذي يتبناه الرئيس.

 حوار بلا أبرز المعارضين… إشكالية الشمول والتمثيل:

تطرح مقاطعة بيرام إشكالية مركزية تتعلق بمدى شمولية الحوار وقدرته على تمثيل مختلف الحساسيات السياسية والاجتماعية في البلاد. فغياب شخصية بحجمه قد يُضعف من رمزية الحوار، ويمنح خصومه مبررًا للتشكيك في نتائجه، حتى وإن شاركت فيه أطراف معارضة أخرى.

في المقابل، يبدو أن السلطة تراهن على توسيع دائرة المشاركين، وتقديم الحوار باعتباره مسارًا مفتوحًا لا يخضع لسقف زمني، مع التعهد بتنفيذ مخرجاته، في محاولة لخلق ديناميكية سياسية تضغط – بشكل غير مباشر – على المقاطعين، أو تعزلهم سياسيًا.

بين فرصة التوافق ومخاطر التكرار:

يُمثّل الحوار السياسي المرتقب في موريتانيا فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، إذا ما توفرت له ضمانات الجدية، وآليات التنفيذ، والانفتاح الحقيقي على القضايا الخلافية. غير أن نجاحه سيظل مشروطًا بقدرته على تجاوز منطق الإقصاء، واستيعاب الأصوات المعارضة المؤثرة، وفي مقدمتها بيرام الداه اعبيد.

وبين رعاية رئاسية مباشرة تسعى لإضفاء الطابع التوافقي، ومقاطعة تعكس أزمة ثقة عميقة، يقف الحوار المرتقب عند مفترق طرق: إما أن يشكل منعطفًا إصلاحيًا في الحياة السياسية الموريتانية، أو أن يُضاف إلى سلسلة الحوارات التي انتهت دون أثر ملموس.