
يشهد المشهد السياسي الموريتاني، منذ عدة أشهر، حركية لافتة مع شروع السلطات في منح تراخيص لعدد من الأحزاب السياسية الجديدة، في خطوة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول معايير الترخيص، وحدود الانفتاح السياسي، وطبيعة إعادة تشكيل الخريطة الحزبية في البلاد. وبينما نجحت بعض التشكيلات في نيل الاعتراف القانوني، ما تزال أخرى، وازنة سياسيًا ورمزيًا، تنتظر الضوء الأخضر دون جدوى.
موجة ترخيص جديدة… عودة وجوه قديمة بأطر جديدة
من أبرز ملامح هذه المرحلة الترخيص لحزب «جمع»، الذي يترأسه السياسي المخضرم جميل منصور، أحد الوجوه المعروفة في المعارضة الموريتانية، والذي سبق له أن قاد تجارب حزبية وسياسية متعددة. ويُنظر إلى هذا الترخيص باعتباره عودة منظمة لتيار معارض تقليدي، اختار إعادة التموضع داخل الإطار القانوني بدل البقاء في مساحات العمل السياسي غير المؤطر.
كما شمل الترخيص أحزابًا أخرى، من بينها حزب «حواء»، الذي يرفع شعارات ذات طابع اجتماعي وسياسي، ويقدّم نفسه كإضافة جديدة للمشهد الحزبي، خصوصًا من حيث الخطاب المرتبط بالتمثيل والمشاركة السياسية. وتعكس هذه التراخيص، في ظاهرها، توجّهًا رسميًا نحو توسيع دائرة الفاعلين السياسيين، وخلق تعددية حزبية أكثر تنوعًا.
أحزاب خارج المشهد القانوني… الإقصاء الصامت؟
في المقابل، يبرز على الضفة الأخرى استمرار حرمان تشكيلات سياسية أخرى من الترخيص، رغم حضورها السياسي والإعلامي، وفي مقدمتها حزب «الرك» المحسوب على النائب البرلماني والحقوقي بيرام الداه اعبيد، الذي يُعد أحد أبرز رموز المعارضة الراديكالية، ومرشح الرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ويعتبر أنصار هذا التيار أن منع الترخيص لحزبهم لا يمكن فصله عن المواقف الصدامية التي يتبناها بيرام تجاه النظام، وخطابه المنتقد لملفات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل الحزب – بحسب هذا الطرح – ضحية إقصاء سياسي غير معلن، رغم استيفائه الشروط القانونية المعلنة.
ولا يقتصر الأمر على حزب «الرك»، إذ ما يزال حزب صمبا تام، القيادي البارز في حركة إفلام، خارج دائرة الترخيص، في خطوة يراها مراقبون استمرارًا لحساسية الدولة تجاه التنظيمات ذات الخلفية الحقوقية والمرتبطة تاريخيًا بخطاب الهامش والتمييز، رغم التحولات التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
معايير الترخيص… قانونية أم سياسية؟
رغم أن وزارة الداخلية تؤكد أن عملية الترخيص تخضع لمعايير قانونية وإجرائية محددة، تتعلق بالملفات الفنية والالتزام بالنصوص المنظمة للأحزاب، إلا أن تباين نتائج الطلبات يفتح الباب واسعًا أمام التشكيك في حيادية هذه المعايير.
ففي الوقت الذي يُمنح فيه الترخيص لأحزاب يقودها فاعلون سياسيون معروفون، يُحرم منه آخرون يتمتعون بثقل جماهيري وانتخابي واضح، ما يعزز الانطباع بوجود حسابات سياسية غير معلنة، تهدف إلى ضبط التعددية الحزبية ضمن حدود لا تهدد توازنات قائمة.
إعادة رسم الخريطة الحزبية… إلى أين؟
تأتي هذه التطورات في سياق استعداد البلاد لمسارات سياسية مقبلة، من بينها حوار سياسي مرتقب، وهو ما يجعل مسألة الترخيص الحزبي جزءًا من معادلة أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي. ففتح المجال أمام أحزاب معينة، مقابل إبقاء أخرى خارج الإطار القانوني، قد يؤدي إلى تعددية شكلية، لا تعكس بالضرورة التعدد الحقيقي داخل المجتمع.
ويرى محللون أن استبعاد قوى معارضة وازنة من العمل الحزبي القانوني قد يدفعها إلى البحث عن قنوات بديلة للتعبير، أو يزيد من منسوب الاحتقان السياسي، في وقت تُرفع فيه شعارات التهدئة والتوافق.
خاتمة: انفتاح مضبوط أم تعددية ناقصة؟
بين من يرى في موجة الترخيص الأخيرة خطوة إيجابية نحو تجديد الحياة السياسية، ومن يعتبرها إعادة إنتاج لتعددية مضبوطة السقف، يبقى المشهد الحزبي الموريتاني في حالة تشكّل مفتوحة. فنجاح أي انفتاح سياسي حقيقي يظل رهينًا بمعايير شفافة، تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، دون إقصاء أو انتقائية.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال مطروحًا: هل تمثل الأحزاب الجديدة بداية تحول حقيقي في الحياة السياسية الموريتانية، أم مجرد إعادة ترتيب محسوبة للمشهد، تترك قوى مؤثرة خارج اللعبة؟





.jpg)